الشنقيطي
247
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يصح قبوله ، وذلك في قوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ( 36 ) [ المرسلات : 35 - 36 ] . فإن قيل : ما وجه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا ، وبين ما جاء في القرآن من اعتذارهم ؛ كقوله تعالى عنهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) [ الأنعام : 23 ] ، وقوله : ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [ النحل : 28 ] ، وقوله : بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً [ غافر : 74 ] ، ونحو ذلك من الآيات . فالجواب - من أوجه : منها - أنهم يعتذرون حتى إذا قيل لهم : أخسئوا فيها ولا تكلمون ، انقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير والشهيق ؛ كما قال تعالى : وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 ) [ النمل : 85 ] . ومنها - أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة . أما الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم ، يصدق عليه في لغة العرب : أنه ليس بشيء ، ولذا صرح تعالى بأن المنافقين بكم في قوله : صُمٌّ بُكْمٌ [ البقرة : 18 ] مع قوله عنهم : وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [ المنافقون : 4 ] أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم . وقال عنهم أيضا : فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [ الأحزاب : 19 ] فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم ، مع تصريحه بأنهم بكم - يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء ، كما هو واضح . وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي : وإن كلام المرء في غير كنهه * لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها وقد بينا هذا في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] في مواضع منه . والترتيب ب « ثمّ » في قوله في هذه الآية الكريمة : ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا على قوله : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً لأجل الدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم . قوله تعالى : وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) [ 84 ] . اعلم أولا - أن استعتب تستعمل في اللغة بمعنى طلب العتبى ؛ أي الرجوع إلى ما يرضي العاتب ويسره . وتستعمل أيضا في اللغة بمعنى أعتب : إذا أعطى العتبى ؛ أي رجع إلى ما يحب العاتب ويرضى ، فإذا علمت ذلك - فاعلم أن في قوله : وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) وجهين من التفسير متقاربي المعنى . قال بعض أهل العلم : وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) أي لا تطلب منهم العتبى ، بمعنى لا يكلفون أن يرضوا ربهم ، لأن الآخرة ليست بدار تكليف ، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا .